أبو علي سينا

147

القانون في الطب ( طبع بيروت )

وسوء المزاج المتفق إنما يتمكّن من العضو بتدريج وقد يوجد في حال الصحة منال يقرب هذا إلى الفهم ، وهو أن المعافص بالاستحمام شتاء إذا استحم بالماء الحار ، بل بالفاتر ، عرض له منه اشمئزاز وتأذ ، لأن كيفية بدنه بعيدة عنه مضادة إياه ، ثم يألفه فيستلذه كما يتدرج إلى الاستحالة عن حالة البرد العامل فيه ، ثم إذا قعد ساعة في الحمام الداخل فربما يتفق أن يصير بدنه أسخن من ذلك الماء ، فإذا عوفص بصب الماء الأول بعينه عليه اقشعر منه على أنه يستبرده ، فإذا علمت هذا فنقول : إنه وإن كان أحد جنسي أسباب الألم هو سوء المزاج المختلف ، فليس كل سوء مزاج مختلفاً ، بل الحار بالذات والبارد بالذات واليابس بالعرض والرطب لا يؤلم البتة ، لأن الحار والبارد كيفيتان فاعلتان واليابس والرطب كيفيتان إنفعاليتان قوامهما ليس بأن يؤثر بهما جسم في جسم ، بل بأن يتأثر جسم من جسم . وأما اليابس فإنما يؤلم بالعرض لأنه قد يتبعه سبب من الجنس الآخر وهو تفرّق الاتصال ، لأن اليابس لشدّة التقبيض ربما كان سبباً لتفرق الاتصال لا غير . أما " جالينوس " ، فإنه إذا حقق مذهبه رجع إلى أن السبب الذاتي للوجع هو تفرق الاتصال لا غير ، وإن الحار إنما يوجع لأنه يفرّق الاتصال ، وأن البارد إنما يوجع أيضاً لأنه يلزمه تفرق الاتصال ، وذلك لأنه لشدة تكثيفه وجمعه يلزمه لا محالة أن تنجذب الأجزاء إلى حيث يتكاثف عنده فيتفرق من جانب ما ينجذب عنه . وقد تمادى هو في هذا الباب حتى أوهم في بعض كتبه أن جميع المحسوسات تؤذي مثل ذلك ، أعني تؤذي بتفريق أو جمع يلزمه تفريق . فالأسود في المبصرات يؤلم لشدّة جمعه ، والأبيض لشدّة تفريقه ، والمر والمالح والحامض يؤلم في المذوقات بفرط تفريقه ، والعفص بفرط تقبيضه ، فيتبعه التفريق لا محالة ، وكذلك في الشم ، وكذلك الأصوات القوية تؤلم بالتفريق لعنف من الحركة الهوائية عند ملاقاة الصماخ . وأما القول الحقّ في هذا الباب فهو أن يجعل تغيّر المزاج جنساً موجباً بذاته الوجع ، وإن كان قد يعرض معه تفريق اتصال . والبيان المحقق في هذا ليس في الطب ، بل في الجزء الطبيعي من الحكمة إلا أنا قد نشير إلى طرف يسير منه فنقول : إن الوجه قد يكون متشابه الأجزاء في العضو الوجع ، وتفرق الاتصال لا يكون متشابه الأجزاء البتة ، فإذن وجود الوجع في الأجزاء الخالية عن تفرق الاتصال لا يكون عن تفرق الاتصال ، بل يكون سوء المزاج وأيضاً ، فإن البرد يوجع حيث يقبض ويجمع وحيث يبرد بالجملة ، وتفرق الاتصال عن البرد لا يكون حيث يبرد بل في أطراف الموضع المتبرد ، وأيضا فإن الوجع لا محال هو إحساس بمؤثر مناف بغتة من حيث هو مناف فالوجع هو المحسوس المنافي بغتة والحد ينعكس وكل محسوس مناف من حيث هو مناف موجع . أرأيت إذا أحس بالبرد المفسد للمزاج من حيث يفسد المزاج وكان مثلًا لا يحدث عنه تفريق الاتصال هل كان يكون ذلك إحساساً بمناف فهل كان يكون وجعاً . فمن هذا يعرف أن تغير المزاج دفعة سبب الوجع كتفرق الاتصال . والوجع يثير الحرارة فيثير الوجع بعد الوجع ، وقد